الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

28

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

مبني الكلام المذكور فهو مما لا وجه له ضرورة تعين معناها المادي والهيئي بذلك بعد تعلق الهيئة بمادة مخصوصة حسبما بيناه فينتقل الذهن إلى المعنى المذكور بمجرد ملاحظة تلك المادة والهيئة المقترنين من غير حاجة إلى الوسط أصلا فتأمل وأما ثانيا فبأن ذلك على فرض تسليمه إنما يفيد وضعه النوعي المذكور لذات ثبت له المبدأ على سبيل الإطلاق وأما إذا قيل بوضعه لجزئيات المفهوم المذكور فلا مانع منه أصلا فغاية الأمر أن يكون الوضع هناك عاما والموضوع له خاصا أعني خصوص الذات المقترنة بخصوص المواد المفروضة فتكون الموضوع له للنوع الكلي الحاصل في ضمن ضارب هو الذات المتصفة بمبدإ الضرب وإن كان ملحوظا بعنوان كلي إذ لا يلزم من ملاحظته على نحو كلي أن يكون الموضوع له أيضا كليا ولا أن يكون حصص ذلك المفهوم ملحوظة بخصوصها في الخصوصيات الّتي وضعت بإزائها فتبين أنه كما يراد دفع الإشكال المذكور بجعل الوضع في الموضوع له عاما والموضوع له خصوص الجزئيات كذا يمكن دفعه بجعل الوضع في الموضوع له عاما والموضوع له خصوص الجزئيات وإن كان الموضوع عاما على أنا نقول بتوقف اندفاع الإشكال المذكور على جعل المذكور الموضوع له هناك خاصا إذ لا يندفع الإشكال بمجرد كون الموضوع خصوص تلك الجزئيات وإن كان الموضوع له مطلق ما قام به المبدأ بأي من الوجهين المذكورين وإذا جعل الموضوع له خصوص تلك الجزئيات فقد اندفع الإشكال من غير حاجة إلى جعل الموضوع أيضا خصوص الجزئيات كما هو المدعى فدفع الإشكال المذكور بمجرد جعل الموضوع خصوص الجزئيات كما يتراءى من التقرير المذكور كما ترى والقول باستلزام خصوصية الموضوع كون الموضوع له أيضا خاصا بين الفساد فظهر بذلك أن الاستناد في إبطال عموم الموضوع في المشتقات إلى ما ذكر غير ظاهر وأن الظاهر الاستناد فيه إلى ما أشرنا إليه فظهر أيضا بذلك صحة وقوع الوضع النوعي على الوجه الثاني من الوجوه الأربعة المذكورة دون الأول وقد يقال بكون الوضع النوعي المتعلق بالمشتقات على أحد الوجهين المذكورين الأخيرين وذلك بأن يقال إن هناك وضعين تعلقا بتلك الألفاظ أحدهما بالمواد المفروضة لتلك الهيئات والآخر بالهيئات العارضة لها ودلالة تلك الألفاظ على معانيها باعتبار الوضعين المذكورين فالموضوع بالوضع الأول هو خصوص المادة المفروضة ووضعه شخصي والموضوع له في الثاني كلي ومدلوله أيضا مثله أو خصوص الجزئيات المندرجة تحته وكون مفاد ضارب من قام به الضرب إنما حصل من الوضعين المذكورين وقد نص بعض الأفاضل بأن الهيئة من حيث هي لا يدل إلا على أمر كلي والخصوصية مدلول المادة فعلى هذا يكون الوضع هناك على الوجه ولو قلنا بكون الهيئة المفروضة مرآة لملاحظة جزئيات الهيئات العارضة لقائم وقاعد ونائم ونحوها والموضوع خصوص تلك الجزئيات كان من قبيل الرابع وعلى أي من الوجهين المذكورين يكون الوضع المتعلق بكون الهيئات مقيدة بما إذا كانت عارضة لمادة موضوعة متصرفا والوضع المتعلق بالمواد بما إذا كان معروضة لهيئة موضوعة فيكون الوضع المتعلق بموادها مغايرا للوضع المتعلق بمصادرها أن ذلك الوضع غير كاف في موضوعية المواد الحاصلة في ضمن هيئات المشتقات ضرورة اختصاص ذلك الوضع بتلك الهيئة الخاصة العارضة للمصادر فلا يعقل موضوعية المواد الحاصلة في المشتقات بذلك الوضع هذا غاية ما يوجه به احتمال كون الوضع في المشتقات على أحد الوجهين المذكورين لكنه ضعيف أيضا بما عرفت من بعد تعلق الوضع فيها بغير اللفظ ولزوم التعسف البين في التزامه تعلق الوضعين بلفظ واحد والظاهر عدم تعدد الوضع المتعلق بكل من الألفاظ فالهيئة والمادة المفروضة لها موضوعة بوضع واحد نوعي كما أشرنا إليه وما يقال من كون وضع مواد المشتقات شخصيّا فإنما يعنى به الأوضاع المتعلقة بمصادرها لا المواد الحاصلة في ضمنها أو أنه لما كان المنظور في الوضع المذكور هو دلالة المادة على الحدث ودلالة الهيئة على اعتبار ذلك الحدث جاريا على الذات نزل ذلك منزلة وضعين وكان وضعه بالنسبة إلى الأول شخصيا لاختصاصه بالمادة المعينة تسرية إليها من المبدإ من جهة الوضع المذكور وبالنسبة إلى الثاني نوعيا كليا ثم كان أنه يجري في إبطال تعدد الوضع في المقام ما مر من الكلام ويدفعه أيضا ما عرفت من الجواب نعم يندفع به القول بكون مفاد الهيئة مفهوم من قام به المبدأ كما قد يستفاد من كلمات بعضهم وقد مر الكلام فيه وكيف كان فظهر بذلك أيضا عدم كون وضع المشتقات على أحد الوجهين الأخيرين نعم إن قلنا بثبوت الوضع في المركبات فالظاهر كون الموضوع فيها نفس الهيئات العارضة إذ يبعده جدا التزام وضع هناك في مجموع الجملة بأن تكون تلك الألفاظ المجتمعة المفروضة للهيئات المفروضة موضوعة ثانيا بوضع وحداني تعلق بالمجموع كما لا يخفى فما يستفاد من كلام بعض الأجلة من كون الحال في المركبات على نحو المشتقات محل نظر وحينئذ فيحتمل تعلق الوضع بتلك الهيئات على كل من الوجهين المذكورين والأظهر كون الموضوع حينئذ مطلق الهيئة فيسري الوضع إلى جزئياتها لانطباقها معها إذ لا داعي إلى التزام تعلق الوضع بجزئيات ذلك المفهوم كما قلنا به في المشتقات لكن ستعرف أن الأظهر عدم ثبوت وضع في المركبات فلا يظهر بما ذكر وقوع الوضع النوعي على شيء من الوجهين المذكورين نعم لا يبعد القول به في كثير من الأوضاع الكلية المذكورة في العربية فإن كلا من تلك القواعد حكم وضعي صدر من الواضع فهي مندرجة في الأوضاع النوعيّة على أحد الوجهين المذكورين إذ ليس الموضوع هناك خصوص اللفظ بل ما يلابسه من الأعاريب والعوارض اللاحقة له والأظهر كون الموضوع هناك عاما دون كل من الخصوصيات المندرجة تحته إذ لا داعي إلى الاعتبار المذكور العدول عن وضع الأمر المتصور إلى جعله مرآة لوضع جزئياته جسما أشرنا إليه ومن جملة الأوضاع النوعية الوضع الحاصل في المجازات وفيه عمومية من جهة اللفظ والمعنى إذا لم يلحظ فيه خصوص مادة ولا هيئة ولا خصوص معنى دون آخر وحيث إن الوضع هناك غير قاض بتعيين اللفظ للمعنى بحيث يفيد دلالة اللفظ عليه على ما هو الحال في الأوضاع الحقيقية بل الدلالة الحاصلة في اللفظ هناك من جهة القرينة وإنما يثمر الوضع المذكور جواز استعمال اللفظ فيه بحسب اللغة لا غير كما مرت الإشارة إليه لم يندرج ذلك في الوضع لمعناه المعروف ولذا قالوا باختصاص الوضع بالحقائق وجعلوا المجاز خاليا عن الوضع واستعمالا للفظ في غير ما وضع له إلا أن الترخيص الحاصل من الواضع في استعمال اللفظ فيه دون المعاني الخالية عن تلك العلاقة نحو من الوضع بمعناه الأعم وبهذا الاعتبار صح شمول الوضع له وربما يسمى الوضع الحاصل فيه ترخيصا ويمكن اعتبار الموضوع هناك عاما منطقيا فيكون كل من الوضع والموضوع عاما